عبد الرحمن بدوي

213

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

الفلك - تؤثر في الحيوان وهو دائب التأثير ويجذب من الحيوان والناس الذي هو النبات وغير ذلك من الأجرام . قال أفلاطون : فما كان من الجرم الأعلى موافقا للجرم السّيّال فإنه يعين الطبيعة على فعلها ، وما كان موافقا لليابس فبخلاف ذلك . قال أحمد : قد تقدم من قولي في هذا الكتاب وفي غيره في الجرم السيال ما فيه المقنع وأنبأت أنه قعر الطبيعة وأنه أشدّ الأجرام في التشبث بالنفس وأن بغلبة اليبس أو تفاوت الرطوبة فارق النفس الجسد . فيقول الفيلسوف إنه ما كان من الأجرام العلوية قد غلب عليها اليبس فإنها لا تعين الطبيعة على فعلها ؛ وما كان رطبا فإنه يعين جدا . وسأوضح ذلك للطالب ليقف عليه ، ويصح عنده أن العلماء بأحكام النجوم قد اعتقد كل واحد منهم عن اختبار وامتحان أن بعض الكواكب المتحيّرة سعد وبعضها نحس - من أن يعلم أكثرهم العلّة في ذلك . والسعد عندهم : المشترى والزّهرة والقمر ؛ والنحس : زحل والمريخ والشمس وبالحق ما اعتقدوا ذلك ، إذ كان العالم دار الطبيعة وموضع التركيب ؛ والسعد عند أهله ما أعانهم على فعلهم وقيض إليهم مرادهم ؛ والنحس ما كان بخلاف ذلك ، فخصوا الأجرام المخصوصة بالرطوبة إلى السعد ، والأجرام اليابسة بالنحس ، فوصلوا إلى معرفتها بالحقيقة بالتجربة والسماع وإن لم يقفوا على العلّة . فهذا ما بان في الكواكب المتحيّرة وهي البيّنة التأثير . وسائر الفلك والأجرام فيه أيضا كذلك . ألا ترى أنه كان من منتهى رأى الأوائل في البابانية أنهم نسبوها إلى مزاج السبعة ؟ فأما البروج فليس أن تخص كما تخص السبعة ، لأنه قد يقع في البرج الواحد الدرج والكواكب المختلفة الطباع . فلذلك اضطر أصحاب الأحكام إلى وضع الحدود والوجوه والدرج النيّرة والمظلمة وغير ذلك مما يدلّ على الاختلاف مما قد أخرجته في كتبي في هذا النوع على غاية الشرح . وقد أخرج بعض أصحاب الأحكام الشمس في قسمة السعود ، وذلك لعلّة أنا مخبر بها إن شاء اللّه : إن الشمس لما كثر فيه الجوهر البسيط النيّر لم يصل إلى الأنفس منها من الأدنى ما يصل من زحل والمريخ لموافقة هذا الجوهر ، أعنى به البسيط ، للأنفس . لكنه مع ذلك كثيرا ما يحرم وينحس . وأكثر